رئيس الصين في السعودية

رئيس الصين في السعودية. انفتاح للتنمية أو تغيير في الإتجاه السياسي؟

مرة أخرى تشهد العاصمة السعودية قائدة القرار العربي قمماً متتالية سعودية وعربية وخلييجة. والضيف كان هذه المرة قادماً من الشرق على غير العادة، إنه الرئيس الصيني. فهل الغرض من كل هذه القمم مع رئيس الصين في السعودية هو تحسين الإقتصاد. أو أنه فتح بوابة الشرق الأوسط أمام نفوذ الصين الراغبة بالتوسع في المنطقة.

سياسة الإتجاه شرقاً

بدأت المملكة العربية السعودية ودول أليجية أخرى بسياسة الإتجاه شرقاً من أجل بناء توازناتٍ سياسيةٍ ضمن حقبة ما بعد الحرب الباردة. وهذه السياسة أتت بثمارها أخيراً بعد عدة سنوات من العمل والتنسيق إلى أن وصلت إلى عقد القمم الثلاث مع رئيس الصين في السعودية، وهذه السياسة ونتيجتها حدثٌ عالميٌ مهمٌ يغير في التوازنات الدولية والإقليمية سياسياً واقتصادياً، لا عبر السياسة وشعاراتها، بل عبر الاقتصاد وإمكانياته وطموحاته وقوته، وإن كانت السياسة والاقتصاد توأمين لا يفترقان.

علاقات تاريخية

طرح الرئيس الصيني في السعودية العديد من الأفكار الكبرى التي لا تحتاج إلى كثير من الشروحات والتفسيرات المستفيضة. بل تعبر لوحدها عن كل ما تحتها من تفاصيل. فقد قال: «الحضارة العربية حضارة عميقة الجذور، إذ إنها تدعو إلى الوسطية والاعتدال وتشجع على الشمول والاستفادة المتبادلة وترفض الصراع الحضاري». وذكر الحضارة العربية والعلاقات التاريخية بين العرب والصين.

تحتوي هذه الأفكار المطروحة من قبل الرئيس الصيني على الكثير من التوجهات والأفكار وهذا تحديداً عكس ما كان الرئيس الأميركي باراك أوباما يطرحه من تمجيد للحضارة الفارسية – وهي تستحق التمجيد – ولكنه كان يعبر في الوقت ذاته عن استهانته بالحضارة العربية، واستراتيجيته وقراراته ومواقفه السياسية كلها تعكس هذا التوجه لديه، وعلى الخطى نفسه تحدث بايدن عن سعيه لجعل «السعودية منبوذة».

التغيرات العالمية

تغير العالم كثيراً بعد الحرب الباردة وهذا التغير طبيعي حيث أن العالم لا بدّ أن يشهد تطوّراً مستمرّاً. فلا الغرب هو الغرب ولا الشرق هو الشرق. كذلك فإن أميركا أوباما وبايدن ليست أميركا ريغان وبوش الأب، كما أن صين شي جينبينغ ليست صين ماو تسي تونغ، فقد غيّر الزمن الكثير من الحسابات والإعتبارات وموازين القوى.

التغيرات العالمية

لقد أخطأت أميركا كثيراً، وتحديداً بعد سيطرة اليسار الليبرالي على الحزب الديمقراطي الأميركي، فقد ابتعدت عن حلفائها في الدول العربية ودعمت «استقرار الفوضى» فيما كان يعرف بالربيع العربي، ودعمت التيارات «الأصولية» وتقربت من خصوم الدول العربية في المنطقة وعلى رأسها «النظام الإيراني» ووقعت معه «الاتفاق النووي» المشؤوم.

عمى أمريكي وتخوف من العلاقة مع الصين

عمى الآيديولوجيا وغرور القوة يصيبان الإمبراطوريات كما يصيبان البشر، وقد سقطت أميركا في ذلك على الرغم من تقدمها وحضارتها وعلمها وقوتها. هذا العمى والغرور منعاها من رؤية التطورات الحقيقية التي تجري في السعودية ودول الخليج والدول العربية، واختارت أن تتجاهل كل التصريحات والمؤشرات التي تحدثت عن مللٍ واشمئزازٍ من سياسات أميركا فيما يتعلق بالتسليح والدفاع وفي الضغوط لنشر القيم الأخلاقية الشاذة وفي الهجمات المنظمة إعلامياً وأكاديمياً وثقافياً ضد هذه الدول كما في تجاهل مصالح هذه الدول وأمنها واستقرارها وسيادتها.

في الأوساط السياسية والثقافية والإعلامية الغربية لا تخطئ العين رصد التخوف الغربي عموماً والأميركي تحديداً، من انفتاح السعودية ودول الخليج والدول العربية على الصين. وهو تخوّفٌ له ما يبرره، فهذه الدول دول ذات إمكانيات كبرى وتأثير دولي، وانفتاحها على الصين بالغ التأثير على موازين القوى الدولية في جميع المجالات. ولكنهم جميعاً – الغرب وأميركا – وعلى الرغم من كل تلك التخوفات لم يسعوا للفهم والاستيعاب ثم بناء السياسات والاستراتيجيات والعلاقات الدولية مع المنطقة بشكل جديد. بل اكتفوا بالتكرار والنصائح الأخلاقية والسياسية التي لم تعد تقنع أحداً في المنطقة.

اقرأ ايضاً
القبض على مخالف لنظام الإقامة لتهديده فتاة وتضمين ذلك ألفاظا تسيء للذات الإلهية

ردة الفعل الأمريكية على قمم رئيس الصين في السعودية

قال جون كيربي، منسق الاتصالات الاستراتيجية في مجلس الأمن القومي الأمريكي: “نحن ندرك التأثير الذي تحاول الصين أن تعمقه في جميع أنحاء العالم”، وتابع: “الشرق الأوسط هو بالتأكيد أحد تلك المناطق التي يريدون تعميق مستوى نفوذها بها، ونحن نعتقد أن العديد من الأمور التي يسعون إليها والطريقة التي يسعون إليها لا تؤدي إلى الحفاظ على النظام الدولي القائم على القواعد التي تحاول الولايات المتحدة وشبكتنا الواسعة من الحلفاء والشركاء الحفاظ عليها. “

وحاول كيربي امتصاص الصدمة وإظهار لقاءات رئيس الصين في السعودية على أنها ليست بالأهمية الكبيرة حيث قال: “جولة الرئيس الصيني ليست مفاجأة، وبالتأكيد ليست مفاجأة أنه اختار الذهاب إلى الشرق الأوسط”. وقال “إن البيت الأبيض لا يزال يركز على مصالحنا المتعلقة بالأمن القومي وشراكاتنا في الشرق الأوسط”، وأكد أن الشراكة الاستراتيجية مع المملكة العربية السعودية “مستمرة”، على الرغم من الخلاف بشأن إنتاج النفط.

الإقتصاد أولاً

الدول الصاعدة بالتأكيد تهتم بالإقتصاد أكثر من اهتمامها بالسياسة. فالتنمية لا الآيديولوجيا هي سبيل التواصل والتفاهم مع هذه الدول. حجم التناقضات السياسية الغربية في المنطقة لم يدع مجالاً لأحدٍ بادعاء عدم الفهم أو عدم الإدراك لمآلات هذه السياسات في المستقبل القريب والبعيد.

Economy first

ما جرى في القمم الثلاث هو شراكةٌ استراتيجيةٌ طويلة الأمد في المستقبل وواسعة الحجم في المجالات كافة وليست مجرد تواصلٍ عابرٍ أو علاقاتٍ محدودةٍ. مع التأكيد الدائم والصريح لدول المنطقة أنها لا تتخلى عن حلفائها التقليديين في الغرب، بل تبني جسور التواصل الحضاري والاقتصادي مع كل دول العالم والدول العظمى منه على وجه التحديد.

قيم إنسانية مشتركة

حديث رئيس الصين في السعودية عن السلام والأمن والتنمية والعدالة والتسامح وجد آذاناً صاغية وقيماً مشتركةً وإرثاً حضارياً وطموحاً مستقبلياً لدى قادة السعودية ودول الخليج والدول العربية، لا كما ترى دول الغرب العاجزة عن رؤية أي نماذج ثقافية أو حضارية أو سياسية في العالم إلا من ثقب «الديمقراطية الغربية».

Human values

السعودية ودول الخليج دول فتيّة باعتبار أكثر السكان في مرحلة الشباب، وهم فخورون بدولهم ومتفانون في حب وطنهم ومشغولون ببناء مستقبلهم. ربما لا يدرك بعضهم ضخامة وتاريخية ما تصنعه بلادهم داخلياً وإقليمياً ودولياً ولكنهم سيدركون قريباً. إن ما يجري ليس قراراً منفرداً، بل هو منهج متكامل، وليس اتجاهاً منعزلاً، بل استراتيجية شاملة، وليس قراراً لحظياً، بل خططٌ ممتدةٌ في المستقبل.

فهم مشترك لقضايا المنطقة

جرى في القمم الثلاث في الرياض توافق واسع يتجسد عملياً في استراتيجية شاملة ومجالات متعددة في الملفات المهمة في المنطقة مثل:

  • الملف الإيراني
  • الملف اليمني
  • أسواق الطاقة
  • أمن الممرات المائية
  • احترام «السيادة» و«الاستقلال»
  • مراعاة مصالح الدول وضرورات التنمية وبناء الشراكات العملية معها
  • رفض «الأصولية» و«الإرهاب»

بعض ردود الفعل التي خرجت من بعض الدول الغربية ردّاً على تواجد رئيس الصين في السعودية جاءت فاقدة للاتزان والواقعية والعقلانية. وهي تعبر عن عجزٍ عن رؤية التغيرات الكبرى في العالم وفي الشرق الأوسط تحديداً. ولكنها لن تلبث أن تهدأ وتفتش عن طريقٍ آخر. فالسعودية ودول الخليج وغالب الدول العربية لا تريد أن تكون ضمن محورٍ دوليٍ ضد آخر، ولا أن تنخرط في استقطابات دوليةٍ مع طرفٍ ضد آخر، بل هي ببساطة شديدةٍ تسعى لبناء قوتها التنموية والاقتصادية والسياسية بالتواصل مع دول العالم كافة كبيرةً كانت أم صغيرةً، وهي لا تقبل الإملاءات والاشتراطات والآيديولوجيات على اختلاف أشكالها وأنواعها.

شاهد أيضاً

زيارة نتنياهو للإمارات

مخاطر زيارة نتنياهو للإمارات – أبرز العواقب التي قد تحدث

تم الكشف عن زيارة سرية لوزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي رون ديرمر إلى دولة الإمارات العربية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.