الحركة الاحتجاجية في إسرائيل

الحركة الاحتجاجية في إسرائيل – أزمة دستورية سياسية اجتماعية

يشهد الشرق الأوسط حدثاً مفصلياً غير مسبوق مع الحركة الاحتجاجية في إسرائيل، والتي أغرقتها في واحدة من أخطر أزماتها الدستورية والسياسية والاجتماعية على الإطلاق، بتداعيات تطال أيضاً ركني تفوقها؛ أي: الاقتصاد والجيش.

تقييد صلاحيات السلطة القضائية

اندلعت الحركة الاحتجاجية في إسرائيل عندما أعلن وزير العدل ياريف ليفين خطة تقييد صلاحيات السلطة القضائية، والمحكمة العليا تحديداً، للتفلت من سلطتها بوصفها مراقباً على السلطتين التشريعية والتنفيذية؛ نظراً لعدم وجود دستور. ترمي الخطة إلى إلغاء صلاحية المحكمة في إسقاط القوانين التي ترى أنها غير قانونية، وإلغاء حجة «المعقولية» التي تعطيها صلاحية إلغاء أي قرارات حكومية تعتبرها غير منطقية، وتسمح لأعضاء البرلمان وبأغلبية بسيطة رفض قراراتها وتمنح السياسيين صلاحية أكبر في تعيين القضاة.

السلطة القضائية

هذه الخطة التي وصفها المحتجون بأنها «بداية النهاية» للديمقراطية في إسرائيل كونها تمنح تقريباً سلطات غير محدودة للسلطة الحاكمة، عززت الاستقطابَ السياسي بالبلاد في تعبير عن تصدع سياسي – اجتماعي حاد نتيجة لاختلاف الرؤى حول هوية الدولة وشكل نظامها السياسي، ما دفع بالرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إلى التحذير من «حرب أهلية» على الأبواب.

لعنة العالم الثالث

بغض النظر عن الموقف من إسرائيل وديمقراطيتها، وهي موضع سجال محتدم في منطقتنا، لا شك أن العاصفة المتمثلة في الحركة الاحتجاجية في إسرائيل التي تجتاحها ستفتح باب النزاع الداخلي على مصراعيه، وتهدد بعواقب جيوسياسية أوسع لن تقتصر على الشرق الأوسط، بل ستصل تداعياتها إلى علاقات إسرائيل بدول العالم بعامة، وبيهود العالم بخاصة. فهل أصيبت إسرائيل بلعنة دول العالم الثالث وستتحول إلى دولة استبدادية يحكمها متعصبون دينيون وأحزاب دينية قومية متطرفة تشكل السلطة على مقاسها؟ وما هي المخاطر على المستوى الإقليمي؟

بالنسبة للبعد الداخلي، يأتي الاستقطاب الحاصل على خلفية ماض لم يندثر من الصراع الحاد بين مختلف فئات التركيبة السكانية اليهودية في إسرائيل، وتاريخ الشقاق الديني بين المحافظين المتدنيين (الحريديم) والعلمانيين، والعرقي – الطبقي القديم بين الأشكناز (يهود الغرب وأوروبا) والسفارديم (يهود الشرق)، والحديث بين الأشكناز والفلاشا (يهود الحبشة).

عرب إسرائيل

تجدر الإشارة هنا إلى أن عرب إسرائيل غير منخرطين في الحركة الاحتجاجية في إسرائيل، بمعنى أنه إسرائيلي بحت ولا مكان لقضيتهم في الخلاف بين النخب اليهودية على تعددها وتناقضاتها، علماً بأن هذا الموقف قابل للنقاش. الاستقطاب هذا لم يلد من رحم الانقلاب القضائي الراهن فحسب، بل حصيلة عقد ونيف من حكم بنيامين نتنياهو اليميني بكل ما شابه من:

  • الغطرسة ضد الفلسطينيين
  • الانتهاك المتزايد لحقوق الإسرائيليين العرب
  • إرساء أسس الضم الزاحف والتدريجي لأراضي الضفة الغربية
  • الفساد المستشري من أعلى هرم السلطة حتى أسفله
  • تعاظم الأصولية الدينية بحيث وصلت في خضم هذا الاضطراب حد إقرار قانون يجعل الشريعة اليهودية مرجعية للقوانين المدنية
  • إقرار تشريعات تضرّ بحرية التعبير وبالمجتمع المدني وبالحماية الممنوحة للأقليات
اقرأ ايضاً
أمير مكة المكرمة يستقبل وزير الحج والعمرة
بنيامين نتنياهو

هذه السياسة جعلت من نتنياهو أقرب إلى القادة الشعبويين شبه السلطويين. وها هو اليوم يسعى لإنشاء رديف للجيش النظامي والأجهزة الأمنية بإعلان وزير الأمن القومي بحكومته إيتمار بن غفير، مشروع إنشاء ما يسمى بقوات «الحرس المدني».

تأثر المؤسسة العسكرية بالحركة الاحتجاجية في إسرائيل

إرث نتنياهو واستمرارية نهجه مهّدا للتشظي الذي نراه اليوم في المجتمع الإسرائيلي وهزّا الصورة النمطية التي رسمتها إسرائيل لنفسها أمام العالم بوصفها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وجعلاها طاردة للنخب بعد أن ارتفعت الهجرة المعاكسة للأدمغة إلى أوروبا وأميركا، وفقاً لدائرة الإحصاء الإسرائيلية بنسبة 26 في المائة منذ عام 2013.

وطال التشظي المؤسسة العسكرية التي كانت تعتبر الجامع بين الإسرائيليين. راهن البعض على الجيش للتقريب بين الأطراف المتنازعة، لكن الخلافات طالته فجرى رفض الخدمة الاحتياطية بين الوحدات العسكرية التي يتألف أغلبها من الفئة الأشكنازية، وشارك بعض الجنود في الاحتجاجات شرط أن يكونوا بملابس مدنية.

المواقف العربية

بالنسبة للبعد الإقليمي، وهو ما يهمنا، توازي تداعيات هذا الحدث على أمن واستقرار المنطقة خطورة الحرب في أوكرانيا على أوروبا، ولعل الحدثين هما الأكثر جسامة منذ ولوجنا الألفية الثالثة. حتى الآن، ثمة موقفان عربيان أمام المشهد الإسرائيلي المستجد:

المواقف العربية

الأول ينتظر متفرجاً ومهللاً تهاوي إسرائيل دون أن يلتفت إلى المخاطر غير المحسوبة

الثاني أساسه القوى الداعمة للسلام والاستقرار في المنطقة سواء كانت مطبّعة مع إسرائيل أم لا، يعي تماماً خطورة ما يجري لجهة إحياء تيارات التشدد والتعصب وينتهج مقاربة حكيمة وواقعية وإيجابية ومتوازنة إزاء ما يجري.

قد تكون الحركة الاحتجاجية في إسرائيل قلصت كثيراً فرص إقدام إسرائيل على عمل عسكري كبير ضد إيران على خلفية برنامجها النووي، خصوصاً إذا تكلل التفاهم السعودي – الإيراني بالنجاح.

شاهد أيضاً

نتساح يهودا

نتساح يهودا – أول اعتراف أمريكي بالإرهاب الاسرائيلي

بعدما تسربت معلومات من مصادر أمريكية تفيد بأن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن قد يُعلن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *