مصر والسعودية

مصر والسعودية – معدل النمو الاقتصادي يتجاوز الدول الغربية

نبأ غريب استفاقت عليه الشعوب العربية. فبين كل الاخبار السيئة والمحبطة التي تنشرها الصحف ظهرت البشارة الجديدة. مصر والسعودية ستتفوقان على اقتصادات امريكا واوروبا لغز اثار الدهشة في اذهان العرب.

فالمصريون يواجهون تحديات اقتصادية والسعودية رغم انها تخطو بثبات لكن ليس بالدرجة التي تتجاوز وبهذه السرعة اقتصاد قوة عالمية بحجم امريكا ودول اوروبا. الصحف ووسائل الاعلام لم تأتي بكلام من عندها فهذا وفقا لتوقعات البنك الدولي التي صدرت قبل ايام. لكن هل اخفت الصحف شيئا؟ وهل فعلا سيتفوق اقتصاد القاهرة واقتصاد الرياض على امريكا والغرب؟

الواقع الاقتصادي المصري

في الوقت الذي تعلو الاصوات متسائلة عن الواقع الاقتصادي في مصر والسعودية بلسان حال يقول ركود مستمر ام هنالك تحسن ينتظر مصر في الزوايا المعتمة. تراءت الاجابة من نافذة البنك الدولي بتوقع مثير. فمنذ ايام اصدر البنك تقريرا يظهر ان معدل النمو الاقتصادي لمصر سيرتفع بنسبة اربعة في المائة في عامنا هذا. وسيرتفع بالنسبة العام القادم ينبض بنسبة اكثر حيوية تصل الى اربعة فاصل سبعة في المائة العام بعد القادم.

البنك الدولي لم يكن مغردا خارج السرب. فبنك الكويت الوطني له تقرير خرج قبل تقرير البنك الدولي يؤكد ايضا ان القاهرة ستشهد نموا بنسبة ثلاثة فاصل سبعة بالمائة خلال هذا العام. وخمسة فاصل اربعة بالمائة العام القادم. وهي تقريبا النسبة نفسها تنبأ بها خبراء البنك الدولي. ووكالة رويترز هي الاخرى اجرت استطلاعا في ابريل الماضي تبين من خلاله ان الاقتصاد المصري سيشهد نموا بنسبة اربعة في المائة السنة الحالية وبنسبة اربعة فاصل خمسة في المائة السنة المقبلة. وهو ما يتسق مع ما اعلنته الرئاسة المصرية في مارس الماضي بتحقيق نمو بنسبة خمسة في المئة في موازنة العام الفين وثلاثة وعشرين الفين وعشرين.

تفوق القطاعات غير النفطية في المملكة

وبالخروج من بوابة مصر الشرقية وعلى بعد الف وخمسمائة ميل من العاصمة المصرية نجد الرياض. البلد الذي تصدر عنوان هذا النبأ الاقتصادي الى جوار القاهرة. اذ توقع البنك الدولي استمرار تفوق القطاعات غير النفطية في المملكة مع نمو في الاقتصاد بنسبة اثنين فاصل اثنين في المئة العام الجاري. ثم يرتفع ليصل الى ثلاثة فاصل العام القادم. في حين يتوقع لها نموا بنسبة اثنين فاصل خمسة في المئة في الفين وخمسة وعشرين.

كما قدمت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية مذكرة تؤكد فيها نمو الناتج المحلي الاجمالي للسعودية بنسبة اثنين فاصل تسعة في المائة العام الحالي. واشارت تقديرات المنظمة الى ان معدل نمو الناتج المحلي السعودي سيتسارع الى ثلاثة لستة في المئة في الفين واربعة وعشرين. وهي تقديرات اكثر تفاؤلا من توقعات البنك الدولي. وكانت بيانات الهيئة العامة للاحصاء في الرياض. كشفت عن نمو الناتج المحلي الاجمالي للمملكة بنسبة ثمانية فاصل سبعة في المئة العام الماضي.

توقعات البنك الدولي

نعود الى توقعات البنك الدولي التي عرضناها لكم. بشأن النمو الاقتصادي لمصر والسعودية. هذه التوقعات اخذتها الصحف ووضعتها في مقارنة مع توقعات البنك الاقتصادي امريكا ودول اليورو كالتالي. القاهرة اربعة في المئة. السعودية. اثنان فاصل اثنان في المئة. امريكا. واحد فاصل واحد في المئة. اليورو. اربعة من عشرة في المئة. ومن هنا كان الخبر. مصر والسعودية ستتفوقان على اقتصادات امريكا واوروبا. الاستنتاج يبدو منطقيا. لكن ان تسلموا به انضموا الينا في رحلة الكشف عن حقيقة هذه الارقام وما تخبئه ورائها.

حقائق وراء التوقعات المتعلقة بمصر والسعودية

الحقيقة الاولى البنك الدولي لم يذكر مصر ولا السعودية حصرا

ولم يشر الى البلدين بشكل مميز في التقرير. فالتقرير حمل توقعات لدول عديدة في الشرق الاوسط وشمال افريقيا واسيا واوروبا والامريكتين. بعض الصحف العربية التقطت ما يهم جمهورها وما يمكن ان يجذبهم. وطرحت الموضوع بطريقة توحي بان البنك الدولي خرج ليشير باصابع البنان الى مصر والسعودية. ذلك لا ينفي ان والرياض عملتا على انقاذ اقتصادهما في ظل ازمة عالمية طاحنة. الا ان البنك الدولي ذكر توقعاته صماء دون اشادة ودون تفضيل بلد عن بلد. والعنوان المطروح في الصحف ووسائل الاعلام الذي يفيد بتفوق مصر والسعودية على امريكا والغرب هو مجرد استنتاج من الوسائل الاعلامية. وستتأكد فيما بعد انه استنتاج سطحي. اه.

اقتصاد مصر

الحقيقة الثانية توقعاته اقل من السابق بالنسبة للقاهرة والرياض

رغم التوقعات العالية للبنك للنمو في البلدين الا انه قد اصدر توقعات اعلى منها في تقرير سابق فالتقرير الحالي الذي صدر قبل ايام جاءت توقعاته اقل بالنسبة للقاهرة والرياض. فنسبة النمو اربعة في المئة التي توقعها البنك لمصر خلال العامين الحالي والمقبل كانت اربعة فاصل خمسة في المئة واربعة فاصل ثمانية على التوالي في التوقعات السابقة. كما خفض البنك توقعاته لنمو الناتج المحلي الاجمالي في السعودية الى اثنين فاصل اثنين في المئة خلال عام الفين وثلاثة وعشرين في تقريره الذي استعرضناه مقابل اثنين فاصل تسعة بالمائة في توقعاته السابقة. فرغم ان الصحف اشارت الى ارتفاع معدل النمو للقاهرة والرياض. في تقرير البنك الدولي الاخير الا انها لم تذكر انه في انخفاضا وليس صعودا.

اقرأ ايضاً
الشورى السعودي يدعو لتبني سياسة إنتاج المحاصيل الزراعية الاستراتيجية محلياً

الحقيقة الثالثة البنك توقع تفوق معدلات النمو

البنك الدولي لم يتوقع تفوق الاقتصاد المصري ولا السعودي وانما حصر توقعه في تفوق معدلات النمو الاقتصادي للبلدين.

فما هو النمو الاقتصادي. النمو الاقتصادي مرتبط بالاستثمار الخارجي والداخلي في البلد. وتوقعات النمو للناتج المحلي الاجمالي تأتي بحساب كل ما تنتجه الدولة محليا خلال زمنية محددة سواء كانت استثمارات محلية او اجنبية لكنها تنتج على ارض الدولة. فنأتي في نهاية السنة ونحسب معدل هذا النمو او نتوقعه وفقا للشواهد. وهذا ما فعله البنك الدولي. فالتقرير يتحدث عن معدلات وتوقعات الاستثمار داخل الدولة ولم يتحدث عن تفوق اقتصادي في المطلق. وعندما نلقي نظرة على الجهود الاقتصادية والاستثمارات الكبيرة التي اجتذبتها مصر والسعودية في الفترة الماضية نتأكد ان البنك الدولي محق في توقعاته العالية بشأن تحسن معدلات النمو الاقتصادي. وليس تفوق الاقتصاد بالمطلق على امريكا واوروبا. والدليل على ذلك ان بنك الكويت الوطني الذي تنبأ بتحسن معدلات النمو للاقتصاد المصري اشار في التقرير ذاته الى تعرض النشاط الاقتصادي في القاهرة لضغوط شديدة بسبب نقص السلع والخدمات الاساسية وزيادة التضخم وارتفاع تكاليف الاقتراض. ما ادى الى تقلص القوة الشرائية للمستهلكين. وهذا يؤكد ان هذه التنبؤات محصورة في معدلات النمو فقط.

الحقيقة الرابعة لا يمكن مقارنة دولة متقدمة باخرى نامية

الصحف التي وضعت توقعات النمو لمصر والسعودية في مقارنة مع امريكا ودول اليورو ارتكبت خطأ اقتصاديا فادحا. فمن حيث المبدأ لا يمكن مقارنة دولة متقدمة باخرى نامية هذه الطريقة. لماذا? الاسواق المتقدمة وصلت للقمة. وبلغت معدلات تشغيل كاملة. وعلى العكس فالدول النامية لم تصل بعد الى مرحلة التشغيل الكامل. وهذا يعني ان هناك موارد اقتصادية غير مستغلة بالكامل. لذا اي استثمار او توسع في هذه الموارد سيحقق نتائج مضاعفة.

وحتى تتضح الصورة نضرب هذا المثال. لا يمكن مقارنة رجل بالغ بطفل في طور النمو. فالرجل البالغ مهما اكل لن ينمو ولن يزداد طوله. بخلاف الطفل الذي يزداد طوله ونموه كل يوم بشكل ملحوظ. حتى اذا تناول القليل من الطعام فالطفل يحقق معدلات نمو اكبر بكثير من الرجل البالغ. وهذا بالطبع لا يعني ان الطفل اكثر قوة من الرجل. لان الرجل البالغ تخطى مرحلة النمو التي كان يزداد فيها نموه بوتيرة سريعة حتى وصل الى مرحلة الاكتمال والقوة. هكذا يمكن ان نفهم لماذا ترتفع معدلات النمو في الدول النامية وتنخفض في الدول المتقدمة.

انخفاض معدلات نمو الدول المتقدمة

فادنى معدلات نمو على مستوى العالم في اوروبا الغربية وامريكا. كما ان معدلات النمو في القطاعات الاقتصادية العاملة في البلاد النامية مثل مصر والسعودية تكون ضمن نطاق صغير نسبيا. وبالتالي فان هناك فرصا كبيرة للنمو والتوسع في هذه القطاعات. من ناحية اخرى تتمتع الاسواق الناشئة باجور اقل بشكل عام مقارنة بالاسواق المتقدمة. فتكون لديها فرص اكبر لتصدير السلع الى الاسواق المتقدمة وجذب الاستثمارات الاجنبية. هذه العوامل تساعد في زيادة عمليات التشغيل والتصدير. وتعزز نمو الاسواق الناشئة بشكل عام.

لماذا انخفضت توقعات النمو في امريكا واوروبا

هل يرجع ذلك الى بلوغها معدلات التشغيل الكامل فقط. الواقع يشهد على تحولات عديدة الفترة الاخيرة. نتيجة لتدهور الوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة. فمواجهة ازمة سقف الدين. تكشف عن عجز امريكا عن سداد ديونها وارتفاع اسعار الفائدة وتعرض البنوك للافلاس وغيرها من التحديات. تلك الاحداث اثرت على الجاذبية الاستثمارية في الاراضي الامريكية. وتأثرت العملات المرتبطة بالدولار. كما تسببت في ارتفاع اسعار السلع والمواد الغذائية المرتبطة بتلك العملة. ما دفع بلادا عدة الى البحث عن بدائل للتعامل مع عملات اخرى. وتقليل اعتمادها على الدولار واللجوء الى منظمات لا تخضع للهيمنة الغربية.

الإستقلالية الإقتصادية والمعسكر الشرقي

فلدينا مصر والسعودية تنضمان الى صفوف المعسكر الشرقي. في تحرك يعكس قوتهما واستقلاليتهما الاقتصادية. مع التخلي عن التعامل دولار في بعض الجوانب. كما ان المملكة العربية السعودية تشهد اقامة مشروعات عملاقة وفق رؤية عشرين ثلاثين الهادفة الى تنويع الاقتصاد وتعاظم نشاط القطاعات الجديدة كالسياحة والرياضة. فالرياض بالارقام من اسرع اقتصادات العالم تحولا. ومع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية المصرية المقررة في الفين واربعة وعشرين يتصور بنك الكويت الدولي ان المصرية ستتخذ اجراءات حاسمة وتنفذ سياسات جريئة لتعزيز الاستقرار الاقتصادي وجذب الاستثمارات تتمثل في تحويل النظام النقدي الى نظام سعر صرف مرن بشكل دائم. وبيع الاصول الحكومية وشبه الحكومية وتنفيذ الاصلاحات المالية الضرورية للسيطرة على العجز المتزايد.

المعسكر الشرقي

وبتنفيذ هذه الاصلاحات المهمة يمكن تحقيق تحسن ملحوظ في وتعزيز النمو المستدام على المدى الطويل لذا رغم التحديات الحالية يتبقى الامل في قدرة السلطات المصرية على استغلال الفرص المتاحة كما ان البنك الدولي يتوقع ان يسهم قطاع الخدمات ولا سيما قطاع السياحة وقناة السويس وقطاع الانشاءات في دعم النمو الاقتصادي في مصر فهذه القطاعات الحيوية تمثل مصدرا قويا لتعزيز وتوفير فرص العمل وزيادة الايرادات. وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية المختلفة التي تواجهها القاهرة والرياض. الا ان البلدين يعكسان مرونة وقدرة على التكيف والتغلب على العقبات. ويتعاملان بجدية مع التغيرات العالمية ويسعيان الى بناء اقتصادات قوية مستقلة.

شاهد أيضاً

نتساح يهودا

نتساح يهودا – أول اعتراف أمريكي بالإرهاب الاسرائيلي

بعدما تسربت معلومات من مصادر أمريكية تفيد بأن وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن قد يُعلن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *